أبي نعيم الأصبهاني

337

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

العيون ، فكأنه لم يبصر ما إليه تنظرون ، وكأنكم لا تبصرون ما إليه ينظر ، فأنتم منه تعجبون ، وهو منكم يتعجب ، فلما نظر إليكم راغبين مغرورين ، قد ذهبت على الدنيا عقولكم ، وماتت من حبها قلوبكم ، وعشقتها أنفسكم ، وامتدت إليها أبصاركم ، استوحش الزاهد منكم ، فكنت إذا نظرت إليه عرفت أنه من أهل الدنيا وحش ، وذلك أنه كان حيا وسط موتى ، يا داود ما أعجب شأنك ! ! وقد يزيد في عجبك أنك من أهل زمانك ألزمت نفسك الصمت حتى قومتها على العدل ، أهنتها وإنما تريد كرامتها ، وأذللتها وإنما تريد إعزازها ، ووضعتها وإنما تريد تشريفها ، وأتعبتها وإنما تريد راحتها ، وأجعتها وإنما تريد شبعها ، وأظمأتها وإنما تريد ريها ، وخشنت الملبس وإنما تريد لينه ، وجشبت المطعم وإنما تريد طيبه ، وأمت نفسك قبل أن تموت ، وقبرتها قبل أن تقبر ، وعذبتها قبل أن تعذب ، وغيبتها عن الناس كي لا تذكر ، ورغبت بنفسك عن الدنيا فلم تر لها قدرا ولا خطرا ، ورغبت بنفسك عن الدنيا ، عن أزواجها ومطاعمها وملابسها ، إلى الآخرة وأزواجها ولباسها وسندسها وحريرها وإستبرقها ، فما أظنك إلا قد ظفرت بما طلبت ، وظفرت بما فيه رغبت ، كان سيماك في عملك وسرك ، ولم تكن سيماؤك في وجهك ولا إظهارك ، فقهت في دينك ثم تركت الناس يفتون ويتفقهون وسمعت الأحاديث ثم تركت الناس يتحدثون ويروون ، وخرست عن القول وتركت الناس ينطقون ، لا تحسد الأخيار ، ولا تعيب الأشرار ، ولا تقبل من السلطان عطية ، ولا من الأمراء هدية ، ولا تدنيك المطامع ، ولا ترغب إلى الناس في الصنائع ، آنس ما تكون إذا كنت باللّه خاليا ، وأوحش ما تكون إذا كنت مع الناس جالسا ، فأوحش ما تكون آنس ما يكون الناس ، وآنس ما تكون أوحش ما يكون الناس ، جاوزت حد المسافرين في أسفارهم ، وجاوزت حد المسجونين في سجونهم ، فأما المسافرون فيحملون من الطعام والحلاوة ما يأكلون ، وأما أنت فإنما هي خبزة أو خبزتان في شهرك ترمى بها في دن عندك ، فإذا أفطرت أخذت منها حاجتك ، فجعلته في مطهرتك ثم صببت من الماء ما يكفيك ،